الغزالي

216

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

والآخرون بمثلها ، فيقولون : يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك ، وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا . فيقول اللّه تعالى : ذاك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بارزتموني « 1 » بالعظائم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم « 2 » الناس ، ولم تهابوني وأجللتم الناس ، ولم تجلّوني ، وتركتم للناس ، ولم تتركوا لي ، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم ، مع ما حرمتكم من الثواب المقيم » . قال أحمد بن حرب : إنّ أحدنا يؤثر الظلّ على الشمس ، ثم لا يؤثر الجنّة على النار . وقال عيسى عليه السلام : كم من جسد صحيح ، ووجه صبيح ، ولسان فصيح ، غدا في أطباق النار يصيح . وقال داود : إلهي لا صبر لي على حرّ شمسك ، فكيف صبري على حرّ نارك ؟ ولا صبر لي على صوت رحمتك ، فكيف على صوت عذابك ؟ فانظر يا مسكين في هذه الأهوال واعلم أنّ اللّه تعالى خلق النار وأهوالها ، وخلق لها أهلا لا يزيدون ولا ينقصون ، وأنّ هذا أمر قد قضي وفرغ منه . قال اللّه تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 3 » . ولعمري الإشارة به إلى يوم القيامة ، بل في أزل الأزل ، ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء . فالعجب منك حيث تضحك وتلهو ، وتشتغل بمحقّرات الدنيا ، ولست تدري أنّ القضاء بماذا سبق في حقّك ! فإن قلت : فليت شعري ماذا موردي ؟ وإلى ماذا مآلي ومرجعي ؟ وما الذي سبق به القضاء في حقّي ؟ فلك علامة تستأنس بها ، وتصدق رجاءك بسببها ، وهي أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك ، فإنّ كلا ميسّر لما خلق له ، فإن كان قد يسّر لك سبيل الخير فأبشر ، فإنّك مبعد عن النار ، وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط

--> ( 1 ) بارزتموني : من بارز : أي ظاهر ظاهرتموني . ( 2 ) هبتم : خفتم . ( 3 ) سورة مريم ، الآية 39 .